الشوكاني
51
فتح القدير
ثم فسر سبحانه الثلاث المرات فقال ( من قبل صلاة الفجر ) وذلك لأنه وقت القيام عن المضاجع ، وطرح ثياب النوم ، وليس ثياب اليقظة ، وربما يبيت عريانا ، أو على حال لا يحب أن يراه غيره فيها ، ومحله النصب على أنه بدل من ثلاث ، ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هي من قبل ، وقوله ( وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ) معطوف على محل ( من قبل صلاة الفجر ) و " من " في ( من الظهيرة ) للبيان ، أو بمعنى في ، أو بمعنى اللام . والمعنى : حين تضعون ثيابكم التي تلبسونها في النهار من شدة حر الظهيرة وذلك عند انتصاف النهار ، فإنهم قد يتجردون عن الثياب لأجل القيلولة . ثم ذكر سبحانه الوقت الثالث فقال ( ومن بعد صلاة العشاء ) وذلك لأنه وقت التجرد عن الثياب والخلوة بالأهل ، ثم أجمل سبحانه هذه الأوقات بعد التفصيل فقال ( ثلاث عورات لكم ) قرأ الجمهور " ثلاث عورات " برفع ثلاث ، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بالنصب على البدل من ثلاث مرات . قال ابن عطية : إنما يصح البدل بتقدير أوقات ثلاث عورات ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، ويحتمل أنه جعل نفس ثلاث مرات نفس ثلاث عورات مبالغة ، ويجوز أن يكون ثلاث عورات بدلا من الأوقات المذكورة ، أي من قبل صلاة الفجر الخ ، ويجوز أن تكون منصوبة بإضمار فعل : أي أعني ونحوه ، وأما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هن ثلاث . قال أبو حاتم : النصب ضعيف مردود . وقال الفراء : الرفع أحب إلي ، قال : وإنما اخترت الرفع لأن المعنى هذه الخصال ثلاث عورات . وقال الكسائي : إن ثلاث عورات مرتفعة بالابتداء والخبر ما بعدها . قال : والعورات الساعات التي تكون فيها العورة . قال الزجاج : المعنى ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وعورات جمع عورة ، والعورة في الأصل الخلل ، ثم غلب في الخلل الواقع فيما يهم حفظه ويتعين ستره : أي هي ثلاث أوقات يختل فيها الستر . وقرأ الأعمش " عورات " بفتح الواو ، وهي لغة هذيل وتميم فإنهم يفتحون عين فعلات سواء كان واو أو ياء ، ومنه : أخو بيضات رايح متأوب * رفيق بمسح المنكبين سبوح وقوله : أبو بيضات رايح أو مبعد * عجلان ذا زاد وغير مزود و " لكم " متعلق بمحذوف هو صفة لثلاث عورات : أي كائنة لكم ، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان علة وجوب الاستئذان ( ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ) أي ليس على المماليك ولا على الصبيان جناح : أي إثم في الدخول بغير استئذان لعدم ما يوجبه من مخالفة الأمر والاطلاع علي العورات . ومعنى بعدهن : بعد كل واحدة من هذه العورات الثلاث ، وهي الأوقات المتخللة بين كل اثنين منها ، وهذه الجملة مستأنفة مقررة للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة ، ويجوز أن تكون في محل رفع صفة لثلاث عورات على قراءة الرفع فيها . قال أبو البقاء ( بعدهن ) أي بعد استئذانهم فيهن ، ثم حذف حرف الجر والمجرور فبقى بعد استئذانهم ، ثم حذف المصدر وهو الاستئذان ، والضمير المتصل به . ورد بأنه لا حاجة إلى هذا التقدير الذي ذكره ، بل المعنى : ليس عليكم جناح ولا عليهم : أي العبيد والإماء والصبيان جناح في عدم الاستئذان بعد هذه الأوقات المذكورة ، وارتفاع ( طوافون ) على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هم طوافون عليكم ، والجملة مستأنفة مبينة للعذر المرخص في ترك الاستئذان . قال الفراء : هذا كقولك في الكلام هم خدمكم وطوافون عليكم ، وأجاز أيضا نصب طوافين لأنه نكرة ، والمضمر في ( عليكم ) معرفة ولا يجيز البصريون أن تكون حالا من المضمرين اللذين في عليكم وفى بعضكم لاختلاف العاملين . ومعنى طوافون عليكم : أي يطوفون عليكم ، ومنه الحديث في الهرة